صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

320

شرح أصول الكافي

بالجلي ، انّما التفاوت في القرب والبعد المعنويين الواقع بين الخلائق بالنسبة إليه تعالى لتفاوت فطرهم واستعداداتهم وقابلياتهم ، ولو كان للقمل استعدادا لقبول نفس ناطقة كما للانسان لافاض عليه ، إذ قدرته على الجميع قدرة واحدة ، فهو بقوة واحدة يفعل جميع الأفاعيل ، فالقوة التي يفعل بها العرش والسماوات والأرضين وما فيها من المخلوقات قوة واحدة هي بعينها ذاته وعلمه وقدرته وارادته وسمعه وبصره . واعلم أن المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش ، ولما كان ما افتروه واصروا عليه كفرا عظيما وضلالا جسيما أضلوا به ناسا كثيرة ، فلنذكر وجوها أخرى من الأدلة غير الثلاثة المذكورة فيما سبق فنقول : ان ما توهموه باطل بالعقل والنقل من وجوه : أحدها انه سبحانه كان ولا عرش ولامكان ، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان غنيا عنه ، فهو بالصفة التي كان لم يزل عليها ، الا ان يقال لم يزل مع الله شيء كالعرش وهو أيضا باطل ، لأنه يلزم ان يخلو عن المكان عند ارتحاله عن بعضها إلى بعض فيختلف نحو وجوده بالحاجة إلى المكان والاستغناء عنه وهو محال . وثانيها ان الجالس على العرش اما ان يكون متمكنا من الانتقال والحركة عنه أو لا يمكنه ذلك . فإن كان الأول يلزم ما ذكرنا من الاستغناء والاختلاف في نحو الوجود اعني التجرد والتجسم . لا يقال : هذا منقوض بانتقال الانسان مثلا من مكان إلى مكان . قلنا : انه ينتقل على الاتصال من مكان إلى مكان وهو فيما بينهما لم ينفك عن المكان واما البارئ جلّ ذكره فالمكان الذي ينتقل إليه مخلوق له ، فلا بد ان يخلقه « 1 » أولا حتى يمكن انتقاله إليه ، فهو فيما بين مجرد عن المكان . وان كان الثاني كان كالزمن وأسوأ حالا منه ، فان الزمن إذا شاء الحركة في رأسه أمكنه ذلك ، وهو غير ممكن على معبودهم . وثالثها ان الجالس على العرش لا بدّ وان يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الجزء الحاصل منه في شمال العرش ، فيكون في نفسه مركبا من الاجزاء

--> ( 1 ) - أحسن التأمل فيه لكي يصل إلى جدواه ( نوري ) .